السيد عبد الأعلى السبزواري
57
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
وربّما يكون التوصيف بالقليل ؛ لأنّه مقابل الآخرة الّتي لها الدوام والتأبيد ، ففي الحديث عن نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه وآله : « مثلي ومثل الدنيا كراكب قال قيلولة تحت شجرة ثمّ راح وتركها » . والآية الكريمة بأسلوبها البليغ لها الإيحاء النفسيّ بأن الانهماك في طلب هذا المتاع والانقطاع إلى الحياة الدنيا وعدم الإحساس بالاستكفاء ، بل لطلب المزيد أيضا ، لا بدّ أن يكون له حدّ ، وأنّه يتوقّف في زمن ما ، وأنّ الّذي استحوذ عليه قليل ، وأنّ هناك ما هو أكبر وأشهى وألذ وأمتع وأدوم ، فيحسّ بالنقصان والضياع والقلق الدائم من الحرمان منه ، ولذا نرى أنّه لا يصفو للإنسان في الأرض متاع خالص من المنغّصات ، وأنّ ذلك قد ارتكز في قرار النفس الإنسانيّ ، فتكون لهذه الآية المباركة الأثر التربويّ والنفسيّ على الإنسان ؛ ليحسّ بما وراء هذه الحياة الفانية الزائلة ويعمل له ، وينحصر الطريق إليه بالتقوى الّتي تجلب للإنسان الطمأنينة من جميع الجهات ، وهي الّتي ترفع نكد العيش في هذه الحياة ، فتكون حياة آمنة مطمئنة لا ظلم فيها ولا بخس ، وإنّ كلّ متاع حرم منه هذا الشخص في الدنيا لا يضيع عند اللّه عزّ وجلّ ، فلا تكون هناك خسارة حتّى يتحسّر الإنسان عليها ، هذه هي التوجيهات الإلهيّة في هذا الميدان الّذي يتطلّب ثبات النفس واستقرارها وعلمها بعدم الحرمان والخسارة . ولعمري ، إنّه لو اجتمع جميع العلماء لإرساء قاعدة واحدة من تلك القواعد في ميدان الجهاد والقتال ، من دون الاعتماد على الوحي الإلهيّ ، لعجزوا عن ذلك ، قال تعالى : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [ سورة الإسراء ، الآية : 88 ] . الثالث : يستفاد من قوله تعالى : قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ نظرية الإسلام في هذه الحياة ، فإنّها لا تدعو إلى الانصراف عنها وتركها والرضا بكلّ عيش نكد وشديد ، بل حتّى الرضا بالظلم والعذاب في الدنيا لأجل التنعّم في الآخرة ، فإنّ ذلك